الجصاص

49

أحكام القرآن

عنهم على وجه المدح لهم والرضا بقولهم لنفعل مثل فعلهم ونستحق من المدح كاستحقاقهم . وإن قوله تعالى : ( فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ) . قال قتادة والربيع بن أنس وابن جريج : " ثواب الدنيا الذي أوتوه هو النصر على عدوهم حتى قهروهم وظفروا بهم ، وثواب الآخرة الجنة " . وهذا دليل على أنه يجوز اجتماع الدنيا والآخرة لواحد ، روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : " من عمل لدنياه أضر بآخرته ، ومن عمل لآخرته أضر بدنياه ، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام " . قوله تعالى : ( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ) ، فيه دليل على بطلان التقليد ، لأن الله تعالى حكم ببطلان قولهم إذ لم يكن معهم برهان عليه . والسلطان ههنا هو البرهان ، ويقال إن أصل السلطان القوة ، فسلطان الملك قوته . والسلطان الحجة لقوتها على قمع الباطل وقهر المبطل بها ، والتسليط على الشئ التقوية عليه مع الإغراء به ، وفيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر به من إلقاء الرعب في قلوب المشركين فكان كما أخبر به ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " نصرت بالرعب حتى إن العدو ليرعب مني وهو على مسيرة شهر " . قوله تعالى : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) ، فيه إخبار بتقدم وعد الله تعالى : ( لهم بالنصر على عدوهم ما لم يتنازعوا ويختلفوا ، فكان كما أخبر به يوم أحد ظهروا على عدوهم وهزموهم وقتلوا منهم ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرماة بالمقام في موضع وأن لا يبرحوا ، فعصوا وخلوا مواضعهم حين رأوا هزيمة المشركين وظنوا أنه لم يبق لهم باقية واختلفوا وتنازعوا ، فحمل عليهم خالد بن الوليد من ورائهم فقتلوا من المسلمين من قتلوا بتركهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصيانهم . وفي ذلك دليل على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنهم وجدوا موعود الله كما وعد قبل العصيان ، فلما عصوا وكلوا إلى أنفسهم . وفيه دليل على أن النصر من الله في جهاد العدو مضمون باتباع أمره والاجتهاد في طاعته ، وعلى هذا جرت عادة الله تعالى للمسلمين في نصرهم على أعدائهم . وقد كان المسلمون من الصدر الأول إنما يقاتلون المشركين بالدين ويرجون النصر عليهم وغلبتهم به لا بكثرة العدد ، ولذلك قال الله تعالى : ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ) . فأخبر أن هزيمتهم إنما كانت لتركهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإخلال بمراكزهم التي رتبوا فيها . وقال تعالى : ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) . وإنما أتوا من قبل من كان يريد الدنيا منهم ، قال عبد الله بن مسعود : ما ظننت أن أحدا ممن قاتل مع